عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
98
اللباب في علوم الكتاب
هذه الأهوال كيف [ يمكن ] « 1 » أن يقال : إنهم يعودون إلى الكفر والمعصية . فالجواب : قال القاضي « 2 » : تقديره : ولو ردّوا إلى حالة التكليف ، وإنّما يحصل الردّ [ إلى ] « 3 » هذه الحالة ، إذا لم يحصل في القيامة معرفة اللّه بالضرورة ، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنّم ، فهذا الشرط يكون مضمرا لا محالة . وهذا الجواب ضعيف ؛ لأن المقصود من الآية الكريمة بيان غلوّهم في الإصرار على الكفر ، وعدم رغبتهم في الإيمان ، فلو قدّرنا عدم معرفة اللّه في القيامة وعدم مشاهدة الأهوال لم يكن إصرارهم على كفرهم الأول مزيد تعجّب ، وإذا لم يكن اعتبار هذا الشّرط الذي ذكره القاضي « 4 » . وقال الواحدي « 5 » - رحمه اللّه تعالى - : هذه الآية الكريمة من أظهر الدلائل على فساد قول المعتزلة ؛ لأن اللّه - تبارك وتعالى - بيّن أنهم لو شاهدوا النّار والعذاب ، ثم سألوا الرّجعة وردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ، وذلك للقضاء السّابق فيهم ، وإلّا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد . قال القرطبي : وقد عاين إبليس ما عاين من آيات اللّه تبارك وتعالى ثم عاند . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 29 ] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) قوله : وَقالُوا هل هذه الجملة معطوفة على جواب « لو » والتقدير ولو ردّوا لعادوا [ ولقالوا ] « 6 » ، أو هي مستأنفة ليس داخلة في خبر ، أو هي معطوفة على قوله : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ثلاثة أوجه : ذكر الزمخشري « 7 » الوجهين الأوّل والأخير ، فإنه قال : « وقالوا » عطف على « لعادوا » ، أي : لو ردّوا لكفروا ، ولقالوا : إن هي إلّا حياتنا الدنيا ، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة ، ويجوز أن يعطف على قوله : « وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » [ على معنى : وإنهم لقوم كاذبون ] « 8 » في كل شيء . والوجه الأول منقول عن ابن زيد ، إلّا أن ابن عطيّة ردّه فقال : وتوقيف اللّه - تعالى - لهم في الآية بعدها فيه دلالة على البعث والإشارة إليه بقوله : « أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ » يردّ على هذا التأويل ، وقد يجاب عن هذا باختلاف حالين : فإنّ إقرارهم بالبعث حقيقة ، إنما هو في الآخرة ، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا ، فاعترافهم به في الدار الأخرة غير مناف لإنكارهم إيّاه في الدنيا .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : الرازي 12 / 160 . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الرازي 12 / 160 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) ينظر : الكشاف 2 / 16 . ( 8 ) سقط في ب .